القيادة في عصرنا الحاضر يمكن اعتبارها نوع من الفن والإبداع أكثر من كونها ممارسة إدارية بحتة. ويعتبر التواصل الفعال مع الموظفين من أهم فنون القيادة

لغات التواصل مع الموظفين

(الأسئلة الذكية مفتاح للتواصل مع موظفيك)

 

 

القيادة في عصرنا الحاضر يمكن اعتبارها نوع من الفن والإبداع أكثر من كونها ممارسة إدارية بحتة. ويمكن اعتبار أهم فنون القيادة القدرة على التواصل بفعالية مع الموظفين (التواصل – بفعالية)، فالتواصل بحد ذاته احتراف، والفعالية حين ترتبط به تحول ذلك الاحتراف إلى فن يركز على  فهم الآخرين والتأثير بهم وإطلاق قدراتهم، كما يتناغم أداء الممثلين على خشبة المسرح لتقديم المشهد بقوة وتأثير عالٍ على الجمهور

 

ولا أقصد  بالتواصل هنا أن يمارس القيادي التوجيه وإلقاء الأوامر من طرف واحد، إنما أقصد به تلك العملية الديناميكية التي تتم بين الطرفين بحيث يجيد القيادي كيف ينصت وكيف يتحدث. ينصت إلى ما يقوله الموظف وإلى ما لا يقوله، ينصت إلى صمت الموظف كما ينصت إلى حديثه، ينصت إلى إنفعالات الموظف وتغيرها، ينصت إلى التباين في أداء الموظف فيكتشف وجود الحافز أو حدوث المشكلة قبل أن يحتاج الموظف إلى التحدث عن ذلك. هذا في جانب الإنصات، أما في جانب الحديث فالقائد الفذ يتحدث بلباقة، ويستخدم مصطلحات الموظف وليس مصطلحاته هو، لا يتحدث بتعال، يبتسم حين يتحدث وبصورة ودودة تشعر الآخر بالاطمئنان والرغبة في الإستماع إليه

 

بالإنصات الجيد والحديث الودود وبصورة تفاعلية يحدث التواصل بشكل مثالي، ويبقى أن نضيف لهذا التواصل تلك الفعالية التي تجعله صورة مبدعة من الفن الإنساني الراقي



أسرار الفعالية:

دعني أعطيك أحد أهم أسرار الفعالية التي صنعت معظم القادة الذين يشار إليهم بالبنان في عصرنا الحديث

إن السر يكمن في (طرح الأسئلة الذكية)، فالأسئلة بحد ذاتها هي مفاتيح التعلم والبحث عن الحقائق، الأسئلة تحفز الدماغ للتقصي وبصورة تلقائية، وإذا استخدمتها بفعالية أثناء تواصلك مع الموظف، فلست هنا تصنع موظفا منتجاَ فحسب! بل أنت تفجر طاقاته وولائه للمنظمة. مع العلم أن هناك قياديين يطرحون الأسئلة فعلاً ولكن بطريقة خاطئة، فالسؤال حين يطرح يشترط له شرطان: أن يكون إيجابياً محفزا، وأن يركز على الوصول للنتيجة والحل والهدف المطلوب.

 

أمثلة على الأسئلة الفعالة

  • إلى أي مدى تجد مهامك الوظيفية واضحة لك ؟ كيف يمكن زيادة هذا الوضوح؟

من خلال عملي ككوتش وجدت أن هناك نسبة من الموظفين ليست بالقليلة  تعاني من عدم وضوح المهام الوظيفية، وقد يجد الموظف حاجزا نفسيا يمنعه من طلب التوضيح لمهامه، وقد يصل الأمر الى شعور بالضغط في فترة ما ربما تؤدي في نهاية الأمر إلى ترك الوظيفة ومغادرة المنشأة

فهذا السؤال يعتبر أحد صمامات الأمان للمحافظة على الموظف واستبقائه

أسئلة مشابهة لهذا السؤال ولكنها غير جيدة: هل تعرف مهامك؟ هل أنت قادر على فهم مهامك؟

  • ماهي مهام وظيفتك الأجمل في نظرك؟ 

وهنا أنت تساعد الموظف في تمييز المهام الوظيفية وتصنيفها، كما يخدمك هذا السؤال أنت أيضا في توجيه المهام حسب التوافق النفسي والاستعدادات لدى الموظفين. مما يعزز من فعالية الموظف.

أسئلة مشابهة لهذا السؤال ولكنها غير جيدة: هل تعتبر مهامك الوظيفية مناسبة؟ لماذا بعضها غير مناسب؟

  • ما هي الأشياء الجيدة التي فعلها باقي أعضاء الفريق؟

هذا السؤال حيوي ومهم لرفع مستوى المشاركة والانسجام في فريق العمل ومن صور هذه المشاركة الإنتباه إلى الأشياء الجيدة التي يحققها العمل الجماعي وإدراك قيمة الفريق

أسئلة مشابهة لهذا السؤال ولكنها غير جيدة: لماذا أجدك منطويا عن الفريق؟ لماذا لا تشارك في العمل الجماعي؟

  • ما هو الشيء الذي أفعله والذي يعيق إنتاجية فريقنا؟

هذا النوع من التغذية الراجعة مفيد جداَ للقائد، بحيث ينتبه مبكراً لممارساته التي يمكن أن تعيق تقدم الفريق. إضافة إلى الإيحاء الإيجابي الذي يزرعه في نفوس الموظفين بأن بابه مفتوح لهم ولديه تقبل إيجابي للنقد.

أسئلة مشابهة لهذا السؤال ولكنها غير جيدة: لماذا تعتبرني معيقا لإنتاجية الفريق؟ ما هي عيوبي؟

  • كيف يمكنك أن تساهم في نجاح المشروع؟ 

الغرض من هذا السؤال رفع مستوى المسؤولية الفردية في توليد النتائج وتعزيز إدراك الموظف لدوره الحيوي في المشروع مع فتح مجال التفكير الإبداعي وابتكار الحلول.

أسئلة مشابهة لهذا السؤال ولكنها غير جيدة: لماذا لا تساهم بفعالية في المشروع؟ لماذا تغيب(تنشغل) كثيراً عن المشاركة؟

  • كيف يساعدك هذا العمل (وظيفتك هذه)  للوصول إلى هدفك الشخصي؟ 

من المفيد جداً أن تدعم أهداف المنظمة أهداف الفرد فيها. فكلما كانت رؤية الموظف الخاصة به متوافقة مع رؤية المنظمة وتسير في مسارها كلما شعر الموظف بالإنتماء والحماس.

أسئلة مشابهة لهذا السؤال ولكنها غير جيدة: ألا توافقني أنك يجب أن تركز على أهداف العمل الذي يعطيك أجرتك وتنسى أهدافك الشخصية؟

  • ما الشيء الجيد الذي حصل في وظيفتك هذا الأسبوع أو هذا الشهر 

ومن هذا السؤال يتم اكتشافات النجاحات التي يمكن استثمارها للوصول إلى نجاحات إضافية. وفيه فرصة للتعلم منها بالإضافة إلى أن التركيز على النجاحات يجلب نجاحات أخرى.

أسئلة مشابهة لهذا السؤال ولكنها غير جيدة: ما هي الأشياء السيئة التي حصلت في وظيفتك؟ لماذا أخفقت؟

  • ما التحديات التي تواجهها؟ ما الذي يقف في طريقك لتحقيق النجاح؟

هذا السؤال يعتبر الخطوة المهمة للوعي العميق بخطة العمل ، ويتبعه سؤال مهم وهو ما الذي يمكنك فعله لتجاوز هذه التحديات. وسؤال آخر ما الذي يمكنني أن أفعله لك لدعمك في تجاوزها

أسئلة مشابهة لهذا السؤال ولكنها غير جيدة: دعني أعلمك كيف تتجاوز هذه الصعوبات.

  • اذا امتلكت هذه الشركة، ما الذي يمكن أن تفعله بشكل مختلف؟

من الجميل أن يساهم الموظف في اقتراحات التحسين كما لو كان يمتلك هذه المنظمة أو يديرها، وقد تخرج من هذا السؤال بنتائج مذهلة واقتراحات مميزة.



لعلك تلاحظ معي عزيزي القيادي أنك من خلال هذه الاسئلة تتحول من ممارسة القيادة بالتوجيه إلى القيادة بالتمكين ( الكوتشنج )

ولك أن تتصور كيف سيكون أثر هذه الأسئلة فعالاًً ويصنع علاقة وظيفية قوية تصب في قلب الإنتاجية وتحقيق الأهداف

ولعل مما يساعد على نجاح هذه الممارسة القيادية، أن تكون نقية خالية قدر الإمكان من الأحكام المسبقة، فلطالما كانت تلك الأحكام حاجزاَ نفسياَ بصورة لاواعية يعكر صفو تلك الجلسة مع الموظف والتي كان يمكن أن تكون أفضل لو تخلصت منها.

ومما يساعدك في التوقف أو التخفيض من إصدارك للأحكام أمران

 

الأمر الأول:

أن تدرك أننا جميعا كالقمر لنا وجهان مظلم ومضيء، فقد يطرأ على الموظف أوقات يكون في حالة انخفاض في المزاج أو الاتزان الانفعالي، لا ينبغي أن نصنفه أو نحكم عليه بناء عليها. وقد تتوافق الظروف بصورة لا نرى فيها إلا الجانب المظلم من ذلك الموظف، ولو بحثنا بصورة محايدة فحتماً سنكتشف ذلك الجانب المضيء في أداءه وشخصيته

 

الأمر الثاني:

أن تقوم باستبدال الأفكار (Thought substitution) وهذه العملية تعتبر مهارة فعالة يمكن تنفيذها بأن  تزاحم الحكم السلبي المسبق عن الموظف بحكم آخر إيجابي ولو لم تكن تراه ولكن تبنيه على الافتراض، يمكنك أن تقول لنفسك قبل أن تجلس مع موظفك: كم سيكون ذلك الموظف عظيماَ حينما ننجح سوياَ في التواصل، وكم سأكون قيادياً رائعاً حين أكتشف نقاط القوة في هذا الموظف

هناك الكثير من المناقشات القيادية الفاعلة يمكن أن يتم ممارستها مع الموظفين، وتعطي نتائج يمكن ملاحظتها بوضوح وكل ذلك بمجرد إعادة النظر في كيفية التواصل وبنائها على مفاهيم الكوتشنج.

ومن خلال تجربتي في الكثير من المنظمات ، وجدت أنه من المفيد أن يحصل القيادي على دورة متخصصة في الكوتش القيادي لتمكينه من طرح الأسئلة الفعالة، وممارسة تجارب عملية في هذا الاتجاه تعزز الوعي والفهم للأسئلة الذكية وكيفية بنائها.

وختاماً: ما هي الورشة القيادية التي ستحرص الآن على الالتحاق بها في أقرب وقت؟ أجزم بأنك ستحرص أن يكون بناء الأسئلة الذكية هو أحد أهم محاورها.