هناك العديد من التصورات الخاطئة حول الكوتشينج والتي يهدف هذا المقال إلى توضيحها من أجل تمكين القارئ من فهم الكوتشينج وتمييزه عن باقي الممارسات الأخرى.

مفاهيم خاطئة عن الكوتشينج

(ما الذي يندرج ضمن الكوتشينج وما الذي لا يعتبر كوتشينج)

 


انتشرت ثقافة الكوتشينج في الآونة الأخيرة بشكل متزايد على المستوى المحلي وعلى مستوى منطقة الشرق الاوسط. فهناك ازدياد مستمر في الاهتمام بالكوتشنج واحترافه كوظيفة على المستوى المهني. وبالتالي، يزداد عدد الكوتشز باستمرار مع ازدياد انتشار ثقافة الكوتشينج. وكنتيجة لهذا، أصبحت المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، والإعلانات التسويقية، والكتابات المنشورة مثل المقالات وغيرها مقدَّمة من طرف الكوتشز. لكن، تظل فئة كبيرة من الناس غير مدركين لماهية الكوتشنج بشكل كامل. فهناك العديد من التصورات الخاطئة حول الكوتشنج والتي يهدف هذا المقال إلى توضيحها من أجل تمكين القارئ من فهم الكوتشينج بشكل أعمق وتمييزه عن باقي الممارسات الأخرى.


الكوتشينج مقابل باقي المهن:

ربما النقطة الأولى التي ينبغي توضيحها حول الكوتشينج هي تحديد ومعرفة ممارسة الكوتشنج مقابل المهن الأخرى المشابهة له. ففي مجال التنمية الذاتية، هناك العديد من الطرق التي يتم تقديمها والتي تهدف إلى توفير أدوات ومعلومات قيمة من أجل تحقيق النتائج المنشودة. فيمكن للشخص الذي يريد أن يحل مشكلة ما، أو يطور مهارة ما، أو يحقق هدفا أن يطلب المساعدة من المهنيين المختصين. لكن تختلف هذه المساعدة المهنية من مهنة إلى أخرى. وفي هذا الجزء، سوف أُعَرِّف أربع ممارسات قد تبدو أنها شبيهة بالكوتشينج وأقدم الاختلافات بينها وبين الكوتشنج.

 


المهنة

الوصف

الفرق بينها وبين الكوتشينج

التدريب

هو التعليم من خلال تقديم معلومات أو مهارات حول موضوع أو مادة معينة إلى المتلقين الذين قد يكونون إما في حاجة إلى المعلومات أو يحتاجون إلى التطوير.
في التدريب، يقوم المدرب بتحديد الموضوع الذي سيتم تقديمه وكيفية إيصال المعلومات. وعلى الجهة الأخرى، يكون المتدرب متلقيا للمعلومات، ويتعلمها، ويتمكن منها.
في الكوتشينج، لا يوجد هناك اي نقل للمعلومات من طرف إلى آخر. بل هو عملية تعاونية بين الكوتش والمستفيد. وفي الواقع، يُعتبَر المستفيد هو مصدر المعلومات وهو الذي يحدد موضوع جلسة الكوتشينج.
ويكون دور الكوتش هو تيسير عملية التفكير من خلال طرح أسئلة قوية التي تُمكِّن المستفيد من رفع مستوى الوعي الذاتي، والاعتماد على الذات، وبالتالي اتخاذ القرار حول خطة العمل.

المعالج

هناك عدة أقسام تحت مسمى المعالج فهناك المعالج النفسي والأسري وغيرها. لكن عامة تتبع ألأقسام المختلفة نفس المنهجية. حيث تعتمد على تحليل ماضي العميل ويشخص حالته. وبناءً على ذلك يقوم بتحديد العلاج المناسب.
على الرغم من أن بعض المعالجين يطبقون كفاءات الكوتشينج مثل الإنصات الفعال وطرح الاسئلة، يبقى هناك اختلافات جوهرية بينها وبين الكوتشينج.
ففي الكوتشينج، تهدف الأسئلة القوية إلى جانب باقي الكفاءات المستعمَلة إلى فهم الوضع الحالي للمستفيد. لكن ليس هناك اي تشخيص أو تسمية للحالة. بالإضافة إلى هذا، يكون التركيز في الكوتشينج على المضي قدما، والتطور، وتحقيق الإنجازات.

التوجيه (Mentoring)

دور الموجه هو تقديم الإرشاد. ويكون التوجيه قائما على علاقة طويلة الأمد حيث يعتبَر الموجِّه ممتلكا للمعرفة وذا تجربة في الموضوع. والهدف من هذه العلاقة هي أن يساعد الموجِّه الشخص الآخر على التعلم والتطور من خلال الدعم وتقديم القدوة.
الاختلاف الرئيسي بين الموجه والكوتش هو أن الموجه يقدم الإرشاد والتوجيه، ويقدم المعلومات، وربما يتعدى ذلك إلى تقديم النصيحة. بينما يعتمد الكوتشينج على أسئلة قوية التي تقود المستفيد إلى الوصول إلى ما يريد وتحديد طريقة التطوير بنفسه.
اختلاف آخر بين التوجيه والكوتشينج هو أن الموجه في الأعمال على سبيل المثال يعتبر ذا تجربة وذا خبرة عملية. في حين أن الكوتش يتبع منهجية منظَّمة لا تقتضي بالضرورة أن يكون خبيرا في مجال موضوع المستفيد.

الخبير الاستشاري

يقدم الخبير الاستشاري المساعدة الفنية أو المهنية كما يطلب العميل. ويُعتبَر الخبير الاستشاري كما جاء في التسمية خبيرا في المجال، وبالتالي، فهو يقوم بتقييم الوضع الراهن ويحدد أفضل الحلول لتنفيذها.
في الكوتشينج، يُعتبَر المستفيد خبيرا باعتبار أن لا أحد يستطيع معرفة حيثيات حياة المستفيد أكثر من المستفيد نفسه. وبالتالي، يقوم الكوتش بالانصات العميق إلى المستفيد لفهم وضعه. والمستفيد هو الذي يحدد موضوع جلسات الكوتشينج. إضافة إلى هذا، يقوم المستفيد ايضا بتحديد خطط العمل لتحقيق النتائج المنشودة وليس الكوتش.



من خلال تفحص الممارسات الأربعة الواردة اعلاه، يتضح جليا أن الكوتشينج مختلف بشكل أساسي لأن المستفيد هو قائد جلسة الكوتشينج. فالمستفيد هو الذي يحدد كل من موضوع الجلسة، وخطة العمل، وعدد او الحاجة لتكرار جلسات الكوتشينج. أما الكوتش، فهو يطرح الأسئلة لتيسير عملية التفكير. ويمكن أن تُلغَى الأسئلة إذا كان المستفيد لا يريد الإجابة عليها. اختلاف آخر هو أن الكوتشينج لا يَعتبِر المستفيد شخصا تنقصه المعلومات أو المهارات. بل على العكس، يؤمن الكوتشينج بأن المستفيد يمتلك كل الأجوبة بداخله. الكوتش يلعب دور المُيَسِّر الذي يساعد على كشف المعرفة، والمهارات، والقدرات الكامنة داخل المستفيد.

 

الإستعانة بالكوتشنج يعني وجود مشكلة:

التصور الآخر الخاطئ حول الكوتشنج هو أن الحاجة إلى كوتش تعني أن الشخص لديه مشكلة ويحتاج إلى حل لها، أو أن هناك خطب ما. ولتوضيح هذا التصور الخاطئ، دعونا نستحضر بعض الحالات التي يمكن أن يساعد فيها الكوتشنج:

  • تحديد الهدف في الحياة وتحديد الطرق الكفيلة بتحقيق هدفك من الحياة أو مغزى الحياة.
  • فهم الأسباب العميقة التي تسبب أفكار معينة.
  • تعزيز بدء العلاقات مثل العلاقة مع الذات ومع الآخرين.
  • تحسين الاداء والمهارات المرتبطة بالعمل.

وخلاصة القول في هذا الصدد هي: إذا كان لديك هدف تريد تحقيقه، فدور الكوتشنج هو المساعدة على تحقيق ذلك. واستعانتك بكوتش لا تعني بالضرورة أنك تعاني من مشكلة أو بلوى.  فالكوتشنج شكل من أشكال النقل الذي يرتقي بك من حيث أنت الآن إلى حيث تريد الوصول في كل جوانب الحياة. كما يوضح لي روبرتسون في مقاله:

مهمة الكوتش هي تمكين قواك العاملة والمساعدة على توسيع مدى وعيك الذاتي، بناء ثقتك بنفسك، إطلاق العنان لمهاراتك، تعزيز قدرتك على المقاومة، تهييئ الناس من حولك للتغيير، وتيسير التفكير الناقد[1].

 

يمكن لأي كان أن يصبح كوتش:

هذا صحيح ! يمكن لأي شخص أن يكون كوتش إذا كان لديه الاستعداد لاستثمار وقته، وجهده، وماله في ذلك. أن يكون المرء كوتش يقتضي التعلم المستمر والممارسة المستمرة. والنقطة المهمة هنا هي أن بإمكان أي شخص أن يتعلم تقنيات ومنهجيات الكوتشينج. لكن أن تصبح كوتش دولي معتمد يستغرق وقتا طويلا. فهذا يبدأ بحضور برنامج مُعتمَد للتدريب على الكوتشنج من طرف منظمة دولية للكوتشنج مثل الاتحاد الدولي للكوتشنج (ICF). وبعد ذلك، سيتوجب عليك إجراء عدد معين من ساعات جلسات الكوتشينج. والهدف من ذلك هو الممارسة وتمكين الكوتش من عملية التعلم، والنمو، والتطوير. إضافة إلى هذا، هذا المسار يتطلب استثمار مالي. وهذا يعني أن حضور البرامج التدريبية له تكلفة مالية. إضافة إلى تكلفة التسويق للكوتش عن خدماته للحصول على العملاء الذين يريدون الاستفادة من جلسات الكوتشينج.

ويمكن أن تكون فكرة أن بإمكان اي شخص أن يصبح كوتش صحيحة. لكن أن تصبح كوتشا دوليا معترفا به ليس بالامر السهل. فهو يقتضي العمل الجاد، والتكريس، والالتزام بالمهنة. إلى جانب هذا، الكوتشينج بطبيعته يتعامل مع الإنسان، وبالتالي فالكوتش الجيد هو الكوتش الذي يبقى دائم الاطلاع على الدراسات الجديدة، والبحوث، والمقالات، والكتب الجديدة وأي منشورات أخرى يمكنها أن تساعد على ممارسة الكوتشينج بشكل فعال. وقد يتطلب الأمر من الكوتش أيضا أن يكون عضوا في العديد من المنظمات التي توفر أحدث المعلومات المُحيَّنَة في مجال الكوتشينج والتنمية الذاتية.

 

الكوتشينج مكلف ماليا:

كما ذُكِر أعلاه، يستثمر الكوتش وقته وجهده وينفق ماله لكي يصبح متمكنا في مجال الكوتشنج. ويكون الكوتشز الجادين على استعداد للإستثمار في أنفسهم لأنهم يأملون في تعويض ما يتم استثماره من مال وجهد ووقت. وبالتالي، يحدد الكوتش سعرا من أجل إجراء خدمات جلسات الكوتشنج. وهذا السعر يحدده الكوتش فيما يراه معقول.

وتبقى تكلفة جلسات الكوتشنج مقارنة بباقي المهن مثل التي ذُكِرَت أعلاه معقولة أو بنفس سعر هذه المهن.. وبهذا، فتكلفة الكوتشنج لا تُعتبَر معقولة فقط، بل هي أيضا استثمار من أجل تحقيق حلول فعالة وذات كفاءة.

 

الكوتشينج يستغرق الوقت:

يهدف الكوتشينج إلى زيادة التحفيز القائم على التوجيه الذاتي من أجل المُضِي قدما. وتُقدِّم منهجياته، وتقنياته، وأداوته المساعدة للمستفيد من أجل فهم أفضل لذاته واكتشاف الأسباب العميقة وراء المشاعر والسلوكيات. وبالتالي، بمجرد أن يتحقق هذا الفهم، يصبح المستفيد قادرا على تطبيق نفس الطرق والآليات على الوضعيات المشابهة. وهذه العملية قد تتطلب وقتا. وبناء على ذلك، يكون عدد جلسات الكوتشينج عديدة وممكن تستمر إلى سنة علما أن بعض المستفيدين يصلون إلى النتائج بعد الجلسة الثانية.

 

اعطيني حلا

من بين التصورات الخاطئة الاكثر انتشارا حول الكوتشينج هي كيف تتم عملية الكوتشينج. يركز الكوتشينج على الشخص الذي يُعتَبَر ‘خبيرا’. يقوم الكوتش بإثارة عملية التفكير من خلال الإنصات وطرح الأسئلة. ولا يقوم بفرض أي فكرة أو رأي، أو نصيحة، أو اقتراح، لأن هذا يتعارض مع جوهر الكوتشينج الذي يؤمن بأن المستفيد يمتلك الإجابات بداخله وأن كل ما يحتاجه هو المساعدة على استدعاء تلك الإجابات إلى مستوى الوعي.

وبناء على هذا، خلال جلسة الكوتشينج، قد يطلب بعض المستفيدين من الكوتش أن “يجد له حلا”، ما يعني أن الكوتش سيقوم بالتفكير، والتحليل، والوصول إلى النتيجة. وإذا تم اتباع هذا المسار، فلن يكون هناك اي تعلم بل ويُلغِى التعلم نهائيا. وكنتيجة، تصبح نسبة الالتزام للمضي قدما بالخطة المتفق عليها قليلة جدا لأن الحل ليس منبثقا من المستفيد نفسه. لكن جوهر الكوتشينج في الواقع هو أن الكوتش يعطي المساحة والحرية للمستفيد ليقرر ويختار ‘الحل’ الذي يناسبه بشكل أفضل.

 

الخاتمة

الكوتشنج مجال للاحتراف المهني، وهو يزداد انتشارا بفضل اثره ونتائجه الفعالة. لكن قبل الاتصال بكوتش أو حضور جلسة كوتشنج، من المهم فهم الفرق بين الكوتشينج وباقي المهن. فالكوتشينج له طريقته الفريدة ويتبع منهجية منظَّمة. الكوتشنج بطبيعته يتعامل مع الإنسان في بعده العميق. وبالتالي، قد يكلف ذلك وقتا ومالا، لكن يبقى الكوتشينج استثمارا يدوم مدى الحياة باعتبار أن نفع عائده عظيم الاثر ويدوم طويلا.

 

 

المراجع:

https://www.exeter.ac.uk/media/universityofexeter/humanresources/documents/learningdevelopment/coaching-myths.pdf

https://www.edelements.com/blog/5-common-coaching-misconceptions

https://www.wjmassoc.com/coaching/what-are-some-common-misconceptions-about-coaching/

http://leadershipintelligence.com/team-coaching/the-3-biggest-misconceptions-about-coaching-sound-familiar-small-business-owners/