هناك شركات ذات وجود وقوة في العالم نجحت في بناء وتأسيس ثقافة الكوتشنج فيها وبالتالي تحولت الى منظمات مستثمرة في رأس المال البشري.

بناء ثقافة الكوتشنج في المنظمات

( فوائد ومحاذير )

 

 

هناك شركات ذات وجود وقوة في العالم نجحت في بناء وتأسيس ثقافة الكوتشنج فيها وبالتالي تحولت الى منظمات مستثمرة في رأس المال البشري، حيث يلعب الكوتشنج أبرز أدواره وأقوى نتائجه في تحويل الموظفين في المنظمة الى الإنتاجية الأعلى.

وأذكر في هذا الخصوص مشاركة قدمتها الأستاذة فاطمة العثمان : مستشار أعلى للعلاقات الحكومية في ارامكو السعودية ، وقدمت هذه الورقة بعنوان ” تحضير القوى السعودية للثورة الصناعية الرابعة” وذلك في مؤتمر مستقبل القوى السعودية العاملة الذي رعته وزارة العمل للتنمية الإجتماعية، حيث أشارت إلى أهمية وضرورة التركيز على الكادر البشري بكل مكوناته النفسية والإجتماعية والوظيفية لتعزيز ورفع جودة الأداء الصناعي للمنظمات الصناعية

 

ولعل من المناسب هنا أن نوضح الفروق بين المفاهيم التالية

1.     التدريب على الكوتشنج في المنظمات

2.     تقديم جلسات الكوتشنج للموظفين في المنظمات.

3.     بناء ثقافة الكوتشنج في المنظمات (وهو موضوعنا اليوم).

فكثيراً ما يقع الخلط بين المفاهيم الثلاثة السابقة

 

قابلت أحد العملاء المستهدفين مرةً، وكان يعمل مديراً للموارد البشرية وتحدثت معه عن إقتراح لبناء ثقافة الكوتشنج في منظمته، فقال لي: لقد بنيناها بالفعل! سألته وكيف هذا؟ قال: قمنا بتدريب مدراء الأقسام على الكوتشنج. فقلت له: إن هذا مجرد تدريب وله فائدته بلا شك، ولكنه لا يبني ثقافة الكوتشنج في المنظمة.

فمن خلال حواري مع صديقي هذا ومايشابهه من حوارات أخرى مع أشخاص آخرين لاحظت وجود هذا الخلط، فالتدريب على الكوتشنج وكذلك جلسات الكوتشنج هي برامج محدودة تستهدف أفراد معينين، ولكن بناء ثقافة الكوتشنج في المنظمة يستهدف المنظمة في عمقها، فيحول المنظمة بالكامل الى ممارسة معتمدة على مهارات الكوتشنج الفريدة.

 

مظاهر ومميزات وجود ثقافة الكوتشنج في المنظمة:

1.     تحسن واضح في الاتصال بين الموظفين على مبدأ أنا أسمعك وأفهمك وأنت تسمعني وتفهمني. وقد أثبتت الدراسات أن مهارة الإتصال من خلال الكوتشنج ارتفعت لدى الموظفين بنسبة 70% حسب دراسة قامت بها منظمة ال ICF .

2.     دائما هناك من لديه الإستعداد للإنصات لك، فيشعر الموظف أياً كان منصبه أن هناك كوتش محترف ينصت اليه بصورة غير حُكمية او تقييميه، ويساعده للوصول لأهدافه الشخصية والوظيفية و مواجهة التحديات التي تعيق مسارها.

3.     يفهم الجميع أن إصدار الأحكام بصورة غير صحيحة يؤدي إلى خلل الأداء والإتصال والتواصل، ولذلك هم حريصون على إستخدام قوة إصدار الأحكام الطبيعية في مكانها الصحيح الذي يخدم المنظمه ويبتعدون عن إستخدامها في غير ذلك.

4.     يتحول المدراء التقليديين الى قياديين يملكون ثقافة الكوتشنج، و بالتالي لديهم قدرة أكبر على التواصل مع موظفيهم وإخراج مكامن القوة لديهم

5.     موظف فعال، متحمس، منتج، ويشعر بالأمان الوظيفي والتقدير والانسجام مع فريق العمل لانه تم توظيفه بناء على نقاط القوة لديه وميوله وقدراته، ولأنه يتواصل مع الجميع بطريقة فعالة ولديه رؤية خاصة به منسجمة مع رؤية منظمته

6.     فعالية في حل المشكلات التي تواجه المنظمة، حيث يملك معظم الأفراد مهارة في التفكير الإبداعي بكل أنواعه

 

مما سبق نستطيع أن نفهم أهمية وجود ثقافة الكوتشنج في المنظمة وضخامة هذه العملية وعمقها، ومن ذلك ايضا نستطيع ان نفهم سبب رئيسي في قوة تلك المنظمات التي تبنت ثقافة الكوتشنج مثل قوقل ، مايكروسوفت ، بيبسكو ، IBM وغيرها.

 

إن بناء ثقافة الكوتشنج في المنظمات يستدعي جهداَ كبيراَ وعملاً دؤوباً وخطة محكمة وجهة إستشارية ذات خبرة واعتمادية عالية، وبالطبع عامل الزمن يلعب دوراَ مهماً هنا.

 

خطة بناء ثقافة الكوتشنج في المنظمة تحتوي على مجموعة من الإجراءات والبرامج، مثل الترويج للفكرة داخل المنظمة وما يندرج تحتها من منتجات مطبوعة أو مرئية او مسموعة، إضافة إلى المحاضرات وورش العمل الاستبيانات والمقاييس وغيرها.

 

تعاملت مع بعض الشركات التي اعتبرت تأسيس قسم الكوتشنج في المنظمة يمكن أن يحدث بمجرد وضع مجموعة من الكوتشز المعتمدين فيه! وهذا في ظنهم كفيل وكافي لبناء هذه الثقافة التي نتحدث عنها. ثم وقعوا في مجموعة من الأخطاء التي يمكن ان نسميها أخطاء فادحة بسبب ضعف المنهجية في تأسيس الثقافة، كأن يكون لديك عشرة نجارين لايعني بالضرورة أنه يمكنك أن تأسس شركة نجارة، فمن يجيد النجارة قد لا يجيد الإدارة لها! ومن يجيد الإدارة لن يستطيع إدارة النجارين مالم يكن نجار يوماً من الأيام.

 

وهذا ماحدث بالضبط لدى تلك الشركة، فظنوا لوهلة أن مجرد وجود عدد كافي من الكوتشز ويتم توزيع جميع موظفين الشركة عليهم يعني نجاح الفكرة، وهذا ما لم ولن يحدث. ليس فقط بسبب عدم تأهيل ورفع إستعدادات الموظفين للتغيير الكبير الذي سيحدث في حياتهم الوظيفية، ولكن قبل ذلك بسبب المنهجية في بناء وتأسيس قسم الكوتشنج في الشركة.

 

بناء قسم للكوتشنج يحتاج إلى

1.     هيكل تنظيمي.

2.     سياسات.

3.     نظم.

4.     تقييم الأداء.

5.     مستويات أداء.

 

وكل هذه تختلف عن مثيلاتها في الأقسام الوظيفية الأخرى، لأنها ببساطه تنطلق من أخلاقيات ومهنية الكوتشنج المعتمده دولياً، والتي قد لا يستوعبها الكوتش لوحده مع جودة أداءه ككوتش، وهنا يأتي دور الجهة الإستشارية التي توفر الدعم للتأسيس الصحيح لقسم الكوتشنج في المنظمة وما ينبني عليه من إجراءات وسياسات وتقييم للاداء وغيره

 

 

واجهت تلك الشركة مجموعة من التحديات التي تولدت من خلال الممارسة غير الاحترافية للكوتشنج. ومنها

 

1.     واجه كثير من ممارسي الكوتشنج تضارب حاد في المصالح بسبب عدم الدقة في توزيع المستفيدين، فلك أن تتخيل ما تواجهه من صعوبة حينما تكون أنت الكوتش لموظف ما يعاني من مدير متسلق. وفي نفس الوقت أنت الكوتش لذلك المدير الذي يعاني من هذا الموظف المُتسيب

2.     وجود صلة قرابة من الدرجة الثانية أو الثالثة أو حتى الأولى يؤثر كثيراً في مستوى و فعالية جلسات الكوتشنج، وقد يؤدي الى عدم نجاحها وهذا ماحدث فعلاً

3.     إرتباط السلم الوظيفي لممارسي الكوتشنج بالسلم الوظيفي الأساسي للمنظمة. مما يجعل من الصعوبة أن يقدم الكوتش ( والذي يعتبر موظفاً عاديا ) جلسات كوتشنج للقياديين في المنظمة أو المدراء، فتتولد مشكلة قبول المدير لهذا الكوتش وهذا أيضا ماحدث.

4.     تقييم الممارسين للكوتشنج ومدى جودتهم كان مبنياً على معايير التقييم الوظيفية العادية. ويتم التقييم من قبل مدراء غير متخصصين في الكوتشنج وهذا سبب خللاً في ممارسة الكوتش لمهامه، ومن أبرز علامتها ضعف الرضا الوظيفي لديه.

5.     الكوتش هو إنسان كغيره وله إحتياجات ويتأثر بالبيئة المحيطة، ومع جدول ممتلئ بالمستفيدين ( 5 أشخاص يومياً ) مما يعني أن لديه عدد لايقل عن 100 جلسة كوتشنج شهرياً. وهذا ليس بالأمر الهين! فنحن نتحدث عن 100 مشكلة أو تحدي تعرض عليه في الشهر، منها المشاكل الضخمة والكبيرة ومنها البسيطة واليسيرة، وهذا يمثل عبئاً نفسياً على الكوتش لم تخطط تلك الشركة للتعامل معه. ولك أن تتخيل كوتش مثقل بالهموم ممتلئ بالحزن ماذا يمكن أن يفعل أو يقدم للمنظمة وأفرادها! وقد يتحول هذا الكوتش من مساعد للنجاح إلى معزز للفشل والتسرب الوظيفي في المنظمة.

 

كل هذه الأمور وغيرها يمكن أن توضع في الحسبان عند التعامل مع جهة استشارية حقيقية ومتمكنة وتملك الفهم والوعي لهذه الممارسة الراقية ( الكوتشنج ) وكيفية تأسيس ثقافة الكوتشنج الصحيحة في المنظمات


أتذكر صديقي عبدالله الذي كان يعمل ككوتش داخلي في إحدى الشركات المتخصصة في البترول وكيف كان يحدثني ذات ليلة عن عدم قدرته على إنجاح جلساته مع مجموعة من المدراء التنفيذيين. فهذا يعتذر في آخر لحظة قبل موعد الجلسة، والآخر يرسل إليه من خلال السكرتارية تساؤل عن أهداف ومدى فائدة جلسات الكوتشنج له في ظل جدوله المزدحم. فسألت صديقي عبدالله، ماذا لو كان الكوتش من خارج منظمتكم، هل سيواجه نفس هذه المشكلات؟ فقال : لا بالطبع، فلن يوجد تباين أو إختلاف في المستوى الوظيفي وقتها، بل ستكون كما قال ” أكثر نجاحا بسبب أن الكوتش من خارج المنظمة ” . 

 

بهذا الصدد يرتبط بقصة عبدالله ماذكرته في مقال سابق لي بعنوان ( الكوتش الداخلي والخارجي) ، وتأكد هذه القصة وقصص أخرى مماثلة أن ثقافة الكوتشنج في المنظمة وتأسيس قسم للكوتشنج لايعني بالضرورة أن يكون كل ممارسي الكوتشنج من داخل المنظمة، وهذا يؤكد أيضا أهمية وفائدة وجود جهة استشارية خارجية توفر ما هو أبعد من مجرد تأسيس قسم الكوتشنج بل إلى توفير كوتشز تنفيذيين للموظفين القياديين بالمنظمة.

 

مع كل ماسبق، يحتاج قسم الكوتشنج في المنظمة الى بناء هيكلي تنظيمي، يشرف عليه مجموعة من الكوتشز الأكثر خبرة ويقومون بتنفيذ التدريب والتطوير المستمر للممارسين. ويتم مراقبة هذا القسم واداءه وتقييمه خارجياً من خلال تلك الجهة الإستشارية المحترفة.

 

قد يكون ما ذكرته سابقاً مغرق في المثالية ولكنه أيضا يضرب بجذوره في عمق الإحترافية. وكل ما إبتعدت المنظمة عن النموذج المتكامل لقسم الكوتشنج وطريقة بنائه، كلما إبتعدت عن تأسيس ثقافة كوتشنج صحيحة وفعالة. وكل ذلك يؤثر على النتائج الكلية بما فيها التكاليف وإستثمار الزمن والجهد.

 

 في حال رغبتكم في التواصل معي للإجابة على إستفساراتكم، أو لتوفير حلول إستشارية فعالة ، يسعدني التواصل معي عبر البريد التالي

A.alyahya@Octarium.net

 

بقلم كوتش عبدالله اليحيى